السيد محمد حسين الطهراني
346
معرفة الإمام
شرّدوهم عن عقر ديارهم . فكانوا طرائق قدداً . وكان في حَمَلة الحديث وحفظة الآثار ، قوم يعبدون أولئك الملوك الجبابرة وولاتهم من دون الله عزّ وجلّ ، ويتزلّفون إليهم بكلّ ما لديهم من تصحيف ، وتحريف ، وتصحيح ، وتضعيف ، كالذين نراهم في زماننا هذا من شيوخ التزلّف وعلماء الوظائف وقضاة السوء ، يتسابقون إلى مرضاة الحكّام بتأييد سياستهم عادلة كانت أو جائرة ، وتصحيح أحكامهم ، صحيحة كانت أو فاسدة ، فلا يسألهم الحاكم فتوى تؤيّد حكمه ، أو تقمع خصمه إلّا بادروا إليها على ما تقتضيه رغبته ، وتستوجبه سياسته ، وإن خالفوا نصوص الكتاب والسنّة ، وخرقوا إجماع الامّة ، حرصاً على منصب يخافون العزل عنه ، أو يطمعون في الوصول إليه ، وشتّان بين هؤلاء وأولئك ، فإنّه لا قيمة لهؤلاء عند حكوماتهم ، أمّا أولئك فقد كانت حاجة الملوك إليهم عظيمة ، إذ كانوا يحاربون الله ورسوله بهم ، ولذا كانوا عند الملوك والولاة اولي منزلة سامية ، وشفاعة مقبولة فكانت لهم بسبب ذلك صولة ودولة وكانوا يتعصّبون على الأحاديث الصحيحة إذا تضمّنت فضيلة لعليّ أو لغيره من أهل بيت النبوّة ، فيردّونها بكلّ شدّة ، ويسقطونها بكلّ عنف ، وينسبون رواتها إلى الرفض - والرفض أخبث شيء عندهم - هذه سيرتهم في السنن الواردة في عليّ ، ولا سيّما إذا تشبّث الشيعة بها ، وكان لأولئك المتزلّفين من يرفع ذكرهم من الخاصّة في كلّ قطر ، ولهم من يروّج رأيهم من طلبة العلم الدنيويّين ، ومن المرائين بالزهد والعبادة ومن الزعماء وشيوخ العشائر ، فإذا سمع هؤلاء ما يقولون في ردّ تلك الأحاديث الصحيحة اتّخذوا قولهم حجّة ، وروّجوه عند العامّة والهمج ، وأشاعوه وأذاعوه في كلّ مصر ، وجعلوه أصلًا من الأصول المتّبعة في كلّ عصر . وهناك قوم آخرون من حَمَلَة الحديث في تلك الأيّام ، اضطرّهم الخوف إلى ترك التحديث